السيد حيدر الآملي
319
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والَّذي ينبغي أن يوظَّف في ذلك [ وهي أمور عشرة ] ما لخّصه الإمام أبو حامد الغزّالي في كتاب الإحياء ( 133 ) فإنّه لا مزيد عليه وهي أمور عشرة : الأوّل ، أن يتصوّر الإنسان حال سماعه للتلاوة عظمة كلام اللَّه سبحانه وإفاضة كماله ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام الخلق في إيصال معاني كلامه إلى أذهانهم ، وكيف تجلَّت لهم الحقائق الإلهيّة في طيّ حروف وأصوات هي صفات البشر ؟ إذ يعجز البشر عن الوصول إلى مدارج الجلال ونعوت الكمال إلَّا بوسيلة ، ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ، ولتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره ، فالصّموت والحروف للحكمة جسد ، وهي بالنسبة إليه نفس وروح ، ولمّا كان شرف الأجساد وعزّتها بشرف أرواحها فكذلك شرف الحروف والصّوت بشرف الحكمة الَّتي فيها . الثاني ، التعظيم للمتكلَّم ، وينبغي أن يحضر في ذهن القاري عظمة المتكلَّم ، ويعلم أنّ ما يقرأه ليس بكلام البشر ، وأنّ في تلاوة كلام اللَّه غاية الخطر فإنه تعالى قال : لا يَمَسُّه ُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [ سورة الواقعة : 79 ] . وكما أنّ ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللَّامس الغير ( المتطهر ) المطهر ، فكذلك باطن معناه كلمة عزّة وجلالة ( بحكم عزّه وجلاله ) محجوب عن باطن القلب ( إذ لا ) أن يستضيء بنوره إلَّا إذا كان متطهّرا عن كلّ رجس ، مستنيرا بنور التعظيم والتوقير عن ظلمة الشرك ، وكما لا تصلح للمسّ جلد المصحف كلّ يد ، فلا يصلح لتلاوة حروفه كلّ إنسان ، ولا لحمل أنواره كلّ قلب ، ولهذا ( ولأجل هذا ) الإجلال كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف يغشى عليه ويقول : هو
--> ( 133 ) قوله : ما لخّصه الإمام أبو حامد الغزّالي . راجع ( إحياء العلوم ) ج 1 ، ص 280 إلى ص 288 ، الباب الثالث في أعمال الباطن في التلاوة ، ومفاتيح الغيب لصدر المتألهين ص 58 وراجع أيضا الحجّة البيضاء ) ج 2 ، ص 234 ، إلى ص 250 . ولا يحفى أنّ المؤلَّف ( البحراني ) لخّص ما في إحياء العلوم ونقّححه وتصرّف في عباراته أحيانا فلا تفعل .